الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الوحي:
قالت عَائِشَةُ أُمِّ
الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ
صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ
وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ
رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ ". [أخرجه الشيخان].
(الحارث بن هشام) هو أخو أبي جهل، أسلم وحسُن إسلامه (كيف يأتيك
الوحي) فيه مجاز، لأن الذي
يأتي هو الملك (صلصلة الجرس) الصلصلة: كل صوت له طنين، وفي مسند أحمد والترمذي: من حديث عمر: يسمع عند
وجهه كدَوِيِّ النحل (وَهُوَ
أَشَدُّهُ عَلَيَّ) يفهم منه أن الوحي
كله شديد، وإتيانه في هذه الحالة أشد (فَيَفْصِمُ
عَنِّي) يُقلع
عني ما يغشاني من الشدة (يَتَمَثَّلُ
لِي الْمَلَكُ رَجُلاً) أي يتصور على صورة رجل، وفي هذه الحالة يراه الصحابة أحيانا.
وقالت عَائِشَةُ
رَضِيَ اللَّهُ عنها: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم
يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ،
فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا ". [أخرجه
الشيخان]، واللفظ للبخاري.
(فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ) وفي رواية الترمذي: في اليوم ذي
البرد الشديد، (فَيَفْصِمُ عَنْهُ) أي يُقلع عنه ما يغشاه من شدة
الوحي وكَربه (لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا) أي ليسيل عرقا، الفصد: هو قطع
العرق لإسالة الدم، شبهت جبينه بالعرق المفصود مبالغة، وكون ذلك في البرد الشديد
يدل على أنه من الخوارق، ففيه دليل من دلائل النبوة. ولفظ رواية مسلم: إِنْ كَانَ
لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا.
الرؤيا الصادقة من الوحي:
(قالت عَائِشَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَوَّلُ مَا
بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم مِنْ
الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ) وفي رواية لهما: الصالحة (فَكَانَ
لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) أي واضحة مشبهَةً ضياءَ الصبح (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ) أي الاختلاء، لأن القلبَ يتفرغ
فيه لما يريد (وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ) وهو جبل بمكة (فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ) هذا مدرج في الخبر، وهو من تفسير الزهري أحد الرواة
على الراجح (اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ) (قَبْلَ أَنْ يرجعَ إِلَى أَهْلِهِ) (وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ) يستصحب الزاد (ثُمَّ
يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) أي لمثل تلك الليالي، وكانت تلك
الخلوة في شهر رمضان؛ (حَتَّى فَجِئهُ
الْحَقُّ) أي بغته مجيءُ الملك
بالحق، وفي رواية لهما: حتى جَاءَهُ (وَهُوَ
فِي غَارِ حِرَاءٍ). (قالت عَائِشَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: فَجَاءَهُ
الْمَلَكُ) أي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غار حراء (فَقَالَ اقْرَأْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: مَا أَنَا بِقَارِئٍ) لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى: "وما كنت تتلو من
قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك" (قَالَ
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي) أي ضمني (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) أي غاية وُسعي (ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أي أطلقني (فَقَالَ
اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى
بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ اقْرَأْ، قُلْتُ مَا أَنَا
بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ
ثُمَّ أَرْسَلَنِي) (فَقَالَ "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ
بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) وهذا يبين ما كان يعانيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من شدة الوحي؛ وهذه أول الآيات
التي نزلت من القرآن.
(قالت عَائِشَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم) أي بالقصة، وهي ما وقع له في غار
حراء (تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ) جمع بادرة، وهي اللحمة ما بين
المنكب والعنق تضطرب عند الفزع، وفي رواية لهما: يرجف فؤاده (حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ زَمِّلُونِي
زَمِّلُونِي) أي غَطُّوني ولفوني
(فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) أي الفزع (قَالَ لِخَدِيجَةَ: أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي لَقَدْ
خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) أي المرض أو الموت مما أصابني (وَأَخْبَرَهَا
الْخَبَرَ) (قَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا) أي لا تقل ذلك، فإن الأمر ليس
كذلك (أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ
اللَّهُ أَبَدًا) أي لا يُذلك ولا
يهينك، وروي أيضا في الصحيحين: لا يُحزِنُك (إِنَّكَ
لَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي تحسن إلى أقاربك
(وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ) أي الضعيف (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك (وَتَقْرِي
الضَّيْفَ) أي تضيفه وتكرمه (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) أي على مصائب الدهر.
(قالت عَائِشَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: فَانْطَلَقَتْ
بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ
خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي دخل في النصرانية (وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ) وفي رواية لهما: العبراني (وَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ) (وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ) (فَقَالَتْ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ
أَخِيكَ) قالت ذلك تشريفا له
لكبر سنه، أو لأن نسبهما يلتقي عند قصي بن كلاب، (قَالَ
وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى)؟ (فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم خَبَرَ
مَا رَأَى) (فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ
عَلَى مُوسَى) الناموس صاحب السر
يعني جيريل (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا) أي أكون جذعا، شابا قويا، وروي
أيضا: جذعٌ (لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ
يُخْرِجُكَ قومُك) (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وعلى آله وسلم: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ)؟ (قَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ
بِهِ إِلَّا أُوذِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا
مُؤَزَّرًا) أي قويا، (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ) لم يلبث (وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ
الْوَحْيُ فَتْرَةً) أي انقطع (حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم). [أخرجه الشيخان].
وزاد البخاري في
رواية: وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى
حَزِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فِيمَا بَلَغَنَا، حُزْنًا
غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ،
فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ
جِبْرِيلُ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا،
فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ،
فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا
أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ".
(فِيمَا بَلَغَنَا) قائله هو ابن شهاب الزهري، فهذا من بلاغات الزهري وليس بموصول، (كَيْ يَتَرَدَّى) أي يلقِيَ نفسه، (تَبَدَّى
لَهُ جِبْرِيلُ) أي ظهرَ أي من جهة
السماء، (جأشه) أي قلبه، (وَتَقِرُّ نَفْسُهُ) أي تستقر.
وقد ثبت في تاريخ أحمد
من مرسل عامر الشعبي، أن مدة الفترة كانت ثلاث سنين، ولهذا اختلفوا في قدر إقامته
بمكة: فمن قال عشر سنوات لم يحتسب فترة الوحي، ومن قال ثلاث عشرة سنة احتسبها،
والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل.
تتابع الوحي بعد انقطاعه:
وقَالَ جَابِرُ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: " فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ،
فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى
كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا،
فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ
فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ" وَهِيَ الْأَوْثَانُ، ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ ". [أخرجه الشيخان].
(مِنْ السَّمَاءِ) أي من جهة السماء، (فَجُئِثْتُ) أي رُعِبْتُ وفزعتُ (مِنْهُ فَرَقًا) أي فزعا. ظاهر الحديث أن النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم لم ير جبريلَ قط منذ أن أنزل عليه "اقرأ"، وعلى هذا فما ذكره
الزهري في بلاغه من أنه كان يذهب ليلقي بنفسه من رؤوس شواهق الجبال، فيناديه
الملك: يا محمد إنك رسول الله حقا ـ فيه نظر، والله أعلم.
كتاب النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم إلى ملك
الروم وشهادة ملك الروم له بأنه نبي:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم كَتَبَ
إِلَى قَيْصَرَ) أي ملك الروم (يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ
إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ) هو ابن خليفة، صحابي جليل كان أحسن الناس وجها، وكان جبريل يتمثل على
صورته (وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنْ
يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى) هو ملك غسان (لِيَدْفَعَهُ
إِلَى قَيْصَرَ، وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ) حيث انتصر الروم على الفرس
وكانوا قد هُزموا قبل ذلك، قال تعالى "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد
غلبهم سيغلبون في بضع سنين" وفرح المؤمنون بذلك النصر (مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ) أي بيت المقدس (شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللَّهُ) أي لما أنعم الله به عليه، لأن
النعم أيضا ابتلينا بشكرها.
(فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ
حِينَ قَرَأَهُ: الْتَمِسُوا لِي هَا هُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ لِيَسْأَلَهُمْ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم؛ قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: أَنَّهُ كَانَ
بِالشَّأْمِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا تِجَارًا) أي في تجارة إلى الشام (فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم
وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ) وهي بعد صلح الحديبية (قَالَ
أَبُو سُفْيَانَ: فَوَجَدَنَا رَسُولُ قَيْصَرَ بِبَعْضِ الشَّأْمِ، فَانْطُلِقَ
بِي وَبِأَصْحَابِي حَتَّى قَدِمْنَا إِيلِيَاءَ) أي بيت المقدس (فَأُدْخِلْنَا
عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ وَعَلَيْهِ التَّاجُ) وهو الإكليل الذي يضعه على رأسه
(وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ) أي من البطارقة والوزراء (فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ) وهو الذي يعبر عن اللغة بلغة أخرى (سَلْهُمْ
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ
نَبِيٌّ) يعني محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم (قَالَ
أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا).
(قَالَ) أي ملك الروم لأبي سفيان (مَا
قَرَابَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ) أي النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم (قُلْتُ هُوَ ابْنُ عَمِّي) لأن نسبهما يلتقي عند عبد مناف (وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي
عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي) (فَقَالَ قَيْصَرُ أَدْنُوهُ مِنِّي) يعني أبا سفيان (وَأَمَرَ بِأَصْحَابِي فَجُعِلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ
كَتِفِي) (ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لِأَصْحَابِهِ إِنِّي
سَائِلٌ هَذَا عَنْ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي
فَكَذِّبُوهُ) أي قولوا له كذبت (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ
يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنْ يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ لَكَذَبْتُهُ حِينَ
سَأَلَنِي عَنْهُ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الْكَذِبَ عَنِّي
فَصَدَقْتُهُ) يعني أنه لم يخف أن
يوقفوه عند الملك، ولكن أن يتحدثوا بذلك في مكة، فاستحيا أن يتحدث أهل مكة بأن أبا
سفيان كذب بين يدي ملك الروم.
(ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ كَيْفَ نَسَبُ
هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ)؟ (قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ) تنوينه للتعظيم (قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَطُّ
قَبْلَهُ؟ قُلْتُ لَا)، (قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ
قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ لَا)، (قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ
مَلِكٍ؟ قُلْتُ لَا)؛ (قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ
ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ)، (قَالَ فَيَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟
قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ)؛ (قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً
لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ لَا)؛ (قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ لَا)؛ (وَنَحْنُ الْآنَ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ) وهي ما بعد صلح الحديبية، حيث
تصالحوا على وضع الحرب عشر سنين (نَحْنُ
نَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ) وفي رواية للبخاري: لا ندري ما هو فاعل فيها (وَلَمْ يُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا
أَنْتَقِصُهُ بِهِ لَا أَخَافُ أَنْ تُؤْثَرَ عَنِّي غَيْرُهَا) يعني قولَه: نخاف أن يغدر في هذا
الصلح. (قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ أَوْ
قَاتَلَكُمْ)؟ شك من الراوي، وفي
رواية للبخاري فهل قاتلتموه من غير شك (قُلْتُ
نَعَمْ، قَالَ فَكَيْفَ كَانَتْ حَرْبُهُ وَحَرْبُكُمْ؟ قُلْتُ كَانَتْ دُوَلًا) أي نُوَب، النصر مرة لهذا ومرة
لهذا، (وَسِجَالًا) جمع سجل وهو الدلو، كأنه شبه
المحاربين بالمستقين، يستقي هذا دلوا وهذا دلوا (يُدَالُ
عَلَيْنَا الْمَرَّةَ وَنُدَالُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى) أداله الله عليه: جعل له الكرة
عليه، وفي رواية للبخاري: "الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ
مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ" (قَالَ
فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ؟ قُلْتُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ
لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا،
وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ) وفي رواية للبخاري: بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
(فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ قُلْ
لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ،
وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا)؛ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا
الْقَوْلَ قَبْلَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ
قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، قُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَمُّ بِقَوْلٍ قَدْ قِيلَ
قَبْلَهُ)؛ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ
قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ
يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ)؛ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ،
فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ، قُلْتُ يَطْلُبُ
مُلْكَ آبَائِهِ)؛ (وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ
ضُعَفَاؤُهُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ
الرُّسُلِ)؛ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ،
فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ)؛ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ
بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ
بَشَاشَتُهُ) أي حلاوته (الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ).
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا،
وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا يَغْدِرُونَ)؛ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ
وَقَاتَلَكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ، وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ
تَكُونُ دُوَلًا، وَيُدَالُ عَلَيْكُمْ الْمَرَّةَ وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ
الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ)؛ (وَسَأَلْتُكَ بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا،
وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ
وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ)؛ (قَالَ وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ
أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ
حَقًّا، فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَلَوْ أَرْجُو
أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لُقِيَّهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ
لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ).
(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ): (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ) قيل: لم يقل ملك الروم لأنه
معزول بحكم الإسلام، لكنه لم يُخْلِه من إكرام لمصلحة التأليف (سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى) اي سلم من عذاب الله من اتبع
دينه (أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ
بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ) وفي رواية مسلم بداعية الإسلام، بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ (أَسْلِمْ
تَسْلَمْ) أي من خزي الدنيا،
أي إذا أسلمت لم تحارَب، (وَأَسْلِمْ
يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) أي مرة على إيمانك بنبيك، ومرة على إيمانك بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو مرة على إيمانك، ومرة على
إيمان أتباعك (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ
الْأَرِيسِيِّينَ) أي الفلاحين، يعني فعليك
إثم الضعفاء والأتباع. (وَ يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ
بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا
اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)؛ (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا أَنْ
قَضَى مَقَالَتَهُ عَلَتْ أَصْوَاتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ،
وَكَثُرَ لَغَطُهُمْ، فَلَا أَدْرِي مَاذَا قَالُوا؛ وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا،
فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَوْتُ بِهِمْ قُلْتُ لَهُمْ: لَقَدْ
أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) يعني محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأبو كبشة أبوه من الرضاعة،
فكانوا ينسبونه إليه تحقيرا له، يعني لقد عظُم أمره (هَذَا مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ يَخَافُهُ) بنو الأصفر هم الروم، ويقال: إن
جدهم روم بن عِيص تزوج بنت ملك الحبشة، فجاء لون ولده بين البياض والسواد، فقيل له
الأصفر (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَاللَّهِ مَا
زِلْتُ ذَلِيلًا مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ
اللَّهُ قَلْبِي الْإِسْلَامَ وَأَنَا كَارِهٌ) وكان إسلامه يوم فتح مكة. [أخرجه الشيخان].
وزاد البخاري في
رواية: (وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ صَاحِبُ
إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ أُسْقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ) الأسقف رئيس دين النصارى، (يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ
أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ) أي رديء النفس غير طيبها، أي مهموما (فَقَالَ
بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ) جمع بِطريق وهم خواص دولة الروم (قَدْ
اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ) (قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ
هِرَقْلُ حَزَّاءً) أي كاهنا (يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ
سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ
الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ)؟ وذلك لأن النصارى لا يختتنون (قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ، فَلَا
يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ
فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ)؛ (فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ
هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم) خبر نبوته وما جرى بينه وبين قومه من الملاحم (فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ، قَالَ: اذْهَبُوا
فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ
أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ، فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ،
فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ)؛ (ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ،
وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ) أي كتب بشأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن خبره يقرؤونه في التوراة
والإنجيل، وعلماؤهم يعرفونه (وَسَارَ
هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ) لم يغادرها (حَتَّى
أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَأَنَّهُ نَبِيٌّ) وفي بعض الروايات أن صاحبه الذي كتب إليه، أظهر إسلامه وألقى ثيابه التي كانت عليه، ولبس
ثيابا بيضا، وخرج على الروم فدعاهم إلى الإسلام وشهد شهادة الحق، فقاموا إليه
فضربوه حتى قتلوه.
(فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ
لَهُ بِحِمْصَ) الدسكرة القصر الذي
حوله بيوت (ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ) وإنما فعل ذلك خوفا أن يقتلوه
كما قتلوا صاحبه (ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ
الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ) لأنه علم أنَّهم إن لم يبايعوه
سوف يقاتلهم ويذهب ملكهم (فَحَاصُوا) أي نفروا (حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ
فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ) أي كما تنفر الحمر الوحشية إذا رأت الأسد، قال تعالى: "كأنَّهم حمر
مستنفرة فرت من قسورة" (فَلَمَّا
رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ
عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ
عَلَى دِينِكُمْ) أي استمساككم بدينكم
القديم (فَقَدْ رَأَيْتُ) أي شدة تمسككم (فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ) نعوذ بالله من سوء الخاتمة ومن
النكوص بعد الاهتداء.
وهذا الذي زاده
البخاري من كلام الزهري، وقد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوة أن الزهري قال: لقيته،
أي ابن الناطور، بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق