الدين النصيحة:
عَنْ جَرِيرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم عَلَى
إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [أخرجه
الشيخان].
وفي رواية للبخاري:
" فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ
مُسْلِمٍ ".
وفي رواية لهما:
" بَايَعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَلَى
السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ
مُسْلِمٍ ".
وزاد النسائي في رواية
له بإسناد على شرطهما: " وَالنُّصْحِ
لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَعَلَى فِرَاقِ الْمُشْرِكِ ".
ذم من أعرض عن حلق العلم:
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ
اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ
ثَلاثَةُ نَفَرٍ؛ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وَذَهَبَ وَاحِدٌ؛ فَوَقَفَا
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا،
وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا؛
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ
الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ
اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا
الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ. [أخرجه الشيخان].
وفي رواية مالك
والترمذي: فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم سَلَّمَا. وبين الحاكم في روايته
للحديث من طريق أنس أن الثاني هم بالذهاب، ولفظه: وَمَضَى الثَّانِي قَلِيلا،
ثُمَّ جَلَسَ، وهذا يبين أن استحياءه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله أوى إلى الله: أي إلى رحمته لأنه مجلس تغشاه الرحمة، وأما المعرض، فالظاهر أن إعراضه
كان من غير عذر، والله أعلم.
الاقتصاد في الموعظة:
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي
الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. [أخرجه الشيخان].
وفي رواية لهما: عَنْ
أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بن سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ
يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، "وفي رواية مسلم:
إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ
يَوْمٍ". قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ
أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ
السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
أي أنه كان يراعي
الأوقات المناسبة ليعظنا فيها، ولا يفعل ذلك كل يوم، لكيلا نَمَلَّ.
التيسير على الناس في الموعظة والعزْمُ عليهم
فيما يطيقون:
عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " يَسِّرُوا
وَلا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلا تُنَفِّرُوا ". [أخرجه الشيخان].
والمراد وعظ الناس
بالحكمة والموعظة الحسنة، وتأليفُ من دخل في الإسلام، وترك التشديد عليه ابتداء،
لأن التشديد ربما نفره من الدين، فلذلك عبر بالسكون لأنه هو المقابل للنفور، وفي
رواية للبخاري: " وَبَشِّرُوا
وَلا تُنَفِّرُوا ". أي بشروهم
بسعة الدين وسماحته، ولا تشددوا عليهم فينفروا، وليس المراد بترك التشديد تحليل
الحرام أو تحريم الحلال، وإنما الإرشاد بالأرفق، وتقديم ما هو أولى، والتعليم
بصغار العلم قبل كباره.
فضل العلم:
عن مُعَاوِيَةَ بْنِ
أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: " مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي
الدِّينِ ". [أخرجه الشيخان].
في هذا الحديث أن الله
تعالى يريد الخير ويفعله بمن يشاء من عباده، حسب حكمته واختياره، والله تعالى أعلم
بمن يشكره على نعمته فيختصه بِها، قال تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَاتِهِ) وقال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ)، وفي الحديث فضل التفقه في الدين، والحث على ذلك، والمراد به
العلم بالقرآن والسنة، وفهم دقائهما وأسرارهما، واستنباط الأحكام منهما، فالفقه
يدخل فيه هذان المعنيان، ولم يُصبْ من قصره على الثاني، فلذلك اختلف الفقهاء في
الفروع على حسب اختلاف درجاتِهم في العلم بالكتاب والسنة وفهم دقائهما وأسرارهما.
فضل العلم:
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ
آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ؛ وَرَجُلٌ آتَاهُ
اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ". [أخرجه الشيخان].
قال تعالى: (يُؤتِي
الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا
وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). المراد بالحسد هنا الغبطة: وهي أن يتمنى ما لغيره دون أن يزول عنه، وهذا يسمى منافسة،
وهي محمودة في الطاعات قال تعالى: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)، أما في أمور
الدنيا فلا، ويمكن أن يقال: إنَّها مباحة في المباحات، ومعنى الحديث: لا غبطة
محمودة إلا في مسألتين، يعني وما أشبههما. قال في الفتح: ووجه الحصر أن الطاعات
إما بدنية وإما مالية، وقد أشار إلى البدنية بإتيان الحكمة والقضاء بِها وتعليمها.
رواية الصغير للحديث:
عَنْ مَحْمُودِ بْنِ
الرَّبِيعِ الأَنصَارِيِّ قَالَ: عَقَلْتُ
مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم مَجَّةً،
مَجَّهَا فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، مِنْ دَلْوٍ. [أخرجه
الشيخان].
المجُّ: هو إرسال الماء من الفم، والمجة: الواحدة، وكان ذلك من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إما مداعبة، أو ليبارك عليه بِهذه
المجة، لأنّها قد خالطت ريقه.
ووجه الحديث أن محمودا
نقل سنة مقصودة في كون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مج مجة في وجهه، فيستدل به على جواز تحمل الصغير وروايته للحديث، قال أبو
عاصم : ولا بأس بتعليم الصبي الحديث والقرآن وهو ابن ثلاث سنين، يعني إذا كان
فهما. والمعتبر في ذلك هو الفهم والتمييز، لا السن، والله أعلم.
فضل من تعلم العلم وعمل به:
عَنْ أَبِي مُوسَى
عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قَالَ: " مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى
وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا
نَقِيَّةٌ، قَبِلَتْ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتْ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ؛
وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا
النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا؛ وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى،
إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً. فَذَلِكَ مَثَلُ
مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ
وَعَلَّمَ؛ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى
اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ". [أخرجه الشيخان].
وفي رواية مسلم:
" طائفة طيبة ". والأجادب: جمع جَدْب، وهي الأرض الصلبة، والقيعان: جمع قاع: الأرض المستوية التي لا تنبت. ذكر في الحديث ثلاثة أصناف من العلماء:
العلماء العاملون المعلمون، والعلماء المعلمون غير العاملين، والمعرضون.
من أشراط الساعة قلة العلم:
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، لا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ
غَيْرِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: " إِنَّ
مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ،
وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ
وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ
الْوَاحِدُ ". [أخرجه الشيخان].
وإنما قال أنس لا يحدثكم أحد غيري، لأنه كان من صغار الصحابة، وعاش مائة سنة، فلم يبق بعده من الصحابة من
ثبت سماعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم إلا القليل، والقيم: من يقوم بأمرهن، وسبب كثرة النساء، والله أعلم، أن الفتن تكثر فيكثر القتل
في الرجال، فتكثر بذلك النساء، اللهم ارحمنا برحمتك.
السفر في طلب العلم:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ أو من
الوَفْدُ؟ قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أو بالوَفْدِ
غَيْرَ خَزَايَا وَلا نَدَامَى، قَالُوا: إِنَّا
نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلا
نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرُ بِهِ مَنْ
وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ
بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: هَلْ
تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ
إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ،
وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ
الْمَغْنَمِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ
وَالْمُزَفَّتِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ، قَالَ: "
احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ". [أخرجه الشيخان].
غير خزايا ولا ندامى: أي دخلتم في الإسلام طائعين، ولم
يلحقكم خزي بسبب الحرب، أو ندامة على محاربتكم للإسلام، والشقة: المسافة البعيدة، والفصل أي الفاصل، والحنتم والدباء والنقير والمزفت: أوعية كانوا ينتبذون فيها، فيسرع
فيها الشراب إلى الإسكار. والدباء: القرع، والمراد وعاء يتخذ منه، والحنتم: الجرة، والنقير: أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء، والمقير: المطلي بالقار، وهو الزفت، ووقع
في رواية للحديث عند الشيخين: ذكر الشهادة والصلاة والزكاة وإعطاء الخمس، ولم يذكر
الصيام، وفي رواية: ذكر الصيام وعدم ذكر الشهادة. وقوله: احفظوهن: فيه الحث على حفظ الحديث، والحث على تبليغه للناس. وزاد مسلم في رواية:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: " إِنَّ
فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ". الحلم هو العقل والصبر،
والأناة ضد العجلة. وذلك أنّهم لما وصلوا بادروا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ثياب سفرهم يقبلون يده ورجله،
أما هو فأَتَى عَيْبَتَهُ، فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال له ذلك، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا
أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: بَلْ جَبَلَكَ
اللَّهُ عَلَيْهِمَا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى
خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ".
إعادة الكلام ثلاثا في الموعظة:
عَنْ أَنَسٍ عَنْ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا
حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا
أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا. [أخرجه البخاري].
أي أنه لم يكن يسرد
الحديث كما يفعله الناس، ولكن كان يتكلم بكلمة جامعة بليغة ويكررها لتعقل عنه. لأن
المقصود من نشر العلم هو العمل، أما الذين يسردون الحديث، فغالب قصدهم الشهرة. وكان
يستأذن بالسلام ثلاثا، كما في رواية عند أحمد: " كَانَ يَسْتَأْذِنُ ثَلاثًا "، والظاهر أنه ينصرف ولا
يزيد عليها، وجاء النهي عن الزيادة على الثلاث في حديث أبي موسى مرفوعا: "إذا
استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع" أخرجه الشيخان.
رفع العلم:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا
يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ،
حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً،
فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ". [أخرجه الشيخان].
وفي رواية لهما:
" إِنَّ اللَّهَ لا يَنْزِعُ الْعِلْمَ
بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ
قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ،
فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ ".
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ دِينَارٍ قال: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ
حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فَاكْتُبْهُ،
فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ. [أخرجه البخاري].
وزاد البخاري في
تعليق: وَلا تَقْبَلْ إِلا حَدِيثَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا
حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ
سِرًّا. وكانوا قبل ذلك
يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر من ذهاب العلم بموت العلماء، أمر بتدوينه إبقاء
عليه، وكان ذلك على رأس المائة الأولى. والدروس: مصدر من درسَ بمعنى ذهب أثره، وأبو بكر بن حزم: تابعي فقيه استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، وهو ابن
محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري نسب إلى جد أبيه، ولجده عمرو صحبة.
موعظة الإمام النساء:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ
نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ
كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ
اللَّهُ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: " مَا
مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاثَةً، إِلاّ
كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ "، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوِ اثْنَيْنِ؟
فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، قَالَ: وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ ".
[أخرجه الشيخان].
وفي رواية للبخاري: غَلَبَنَا
عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا
لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ. تقدم ثلاثة: أي يموت لها ثلاثة أولاد لم
يبلغُوا الحنث، كما في رواية أبي هريرة، ومعنى الحديث حثهن على الصبر واحتساب
الأجر عند الله.
تبليغ الشاهد العلم للغائب:
عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الكعبي
قال: قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ". [أخرجه الشيخان].
وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ،
فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ ". [أخرجه الشيخان].
وفي رواية للبخاري:
" فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ".
والشاهد: الحاضر في المجلس، أي يبلغ الغائب، وفي الحديث أن الفهم ليس شرطا في
التحمل.
وعيد من كذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قَالَ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ
مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ". [أخرجه الشيخان].
وفي حديث عَلِيًّ: "
لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ
فَلْيَلِجْ النَّارَ ". [أخرجه الشيخان].
وقَالَ أَنَسٌ:
إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ
مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ". [أخرجه الشيخان].
وفي حديث الْمُغِيرَةُ
بن شعبة: " إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى
أَحَدٍ ". [أخرجه الشيخان].
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ
وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ". [أخرجه البخاري].
وزاد أحمد وأبو داود
وابن ماجه: "
مُتَعَمِّدًا ". وقوله: لم أفارقه: في رواية أبي داود: " أَمَا وَاللَّهِ
لَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُ وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ ".
وعَنْ سَلَمَةَ بنِ
الأَكْوَع قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: " مَنْ
يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ". [أخرجه الشيخان].
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " بَلِّغُوا
عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ". [أخرجه البخاري].
أي حدثوا عنهم بما لم
يثبت كذبه من أحاديثهم، وقد ورد النهي عن تصديقهم وتكذيبهم، لأننا إما أن نصدق
بباطل أو نكذب بحق، أو المعنى حدثوا عن أحوالهم وأخبارهم، ولا حرج عليكم في ذلك.
ففي هذه الروايات وعيد
من تعمد الكذب، والمطلق منها محمول على المقيد، ولكن مع ذلك ينبغي التحري فيما
يحدث به، كما في حديث أنس، وكما في حديث الزبير. وقوله: فليتبوّأْ: معناه أي فليتخذ لنفسه منْزلا من النار.
حفظ الحديث وكتابته:
عن أَبي هُرَيْرَةَ قال:
مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي،
إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ
وَلا أَكْتُبُ. [أخرجه البخاري].
وفي مسند أحمد: "
مَا كَانَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ، وَيَعِيهِ
بِقَلْبِهِ، وَكُنْتُ أَعِيهِ بِقَلْبِي، وَلا أَكْتُبُ بِيَدِي، وَاسْتَأْذَنَ
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم فِي الْكِتَابِ عَنْهُ، فَأَذِنَ
لَهُ ". وكانوا قد نُهوا أول الأمر عن كتابة غير القرآن حتى لا يختلط
بالقرآن، وهذا خاص بوقت نزول القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأذن لبعض أصحابه بالكتابة عنه، وهذا محمول على من لم يخش من جهته التخليط
بين الحديث والقرآن، لكن لما خشي الأئمة من ضياع العلم أمروا بتدوين الحديث.
حفظ العلم، وما لا ينشر من العلم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وِعَاءَيْنِ،
فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ
هَذَا الْبُلْعُومُ. [أخرجه البخاري].
وعاين: أي نوعين من العلم، والمراد أن ما حفظه من الحديث لو كتب لملأ وعاءين،
لأنه كان لا يكتب، ويحتمل أن يكون أبو هريرة أملى حديثه بعد ذلك على من يثق به
فكتبه له، والبلعوم: مجرى الطعام، يعني لو حدثت بما في الوعاء الآخر لقُتلت، وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها ذكر
أسامي أمراء السوء وأحوالهم، قال في الفتح: وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا
يصرح به خوفا على نفسه، كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير
إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنَّها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء
أبي هريرة فمات قبلها بسنة.
حفظ العلم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ
الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ
وَالأَنْصَارِ لا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ
الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي
مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً
مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وَأَعِي حِينَ
يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَوْمًا: لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ
حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى
مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُهَا، حَتَّى قَضَى
النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا
إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ
تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَاللَّهِ لَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا
حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ
الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ
أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ* إِلاَّ الَّذِينَ
تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
يكثر الحديث: لأن أبا هريرة أسلم في السنة السابعة، ومع ذلك كان أكثر الناس حديثا،
ولذلك كان بعض الصحابة يقول: أكثر علينا أبو هريرة، كما في حديثه في فضل اتباع
الجنائز عند الشيخين وذكر القراريط، حيث قال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة، ثم إن
عائشة صدَّقت أبا هريرة، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. والله الموعد: أي أن موعدنا عند الله للحساب، فهو سيحاسبني إن قلت على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بغير علم، والصفق بالأسواق: كناية عن التجارة، على ملء بطني: وفي رواية للبخاري: بشِبَعِ
بطني، أي اكتفيتُ بذلك وشغلني ملازمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن كثير من متاع الدنيا، والنمرة: كساء فيه خطوط، وأما الآية التي
أوردها ففيها وعيد للعلماء الذين يكتمون العلم، ومراده منها لولا هذا الخوف من
الوعيد ما حدثتكم بشيء، فأنجو من أقوالكم.
اختلاف الناس وأحوالهم في العلم، وضرورة
مخاطبة كل حسب حاله:
عَنْ عَلِيِّ بنِِ أبي
طالبٍ قال: " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ
أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ". [أخرجه البخاري].
بما يعرفون: أي حدثوهم بما يفهمون، وتدركه عقولهم، ضرورة أنَّهم لا يعرفون كل شيء،
ويوضحه قول ابن مسعود الذي رواه مسلم في مقدمة الصحيح: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ
قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً.
ومثال ذلك ذكر المتشابه عند العامة، أو الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان،
أو الأحاديث التي يؤيد ظاهرها مذاهب أهل البدع والضلالات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق