الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أركان
الإسلام:
عن عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "
بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه،ِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ
الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ". [أخرجه الشيخان].
(عَلَى خَمْسٍ) أي دعائم، وهي الأسس، وفي رواية لمسلم: على خمسة: أي أركان، (شَهَادَةِ) بالجر على أنه بدل من خمس، أو عطف بيان له، ويجوز رفعه على أن يكون خبرا
لمبتدأ محذوف تقديره: هي شهادةُ...إلخ، والمراد النطق بِها، فمن نطق بالشهادة فهو
مسلم بالنسبة إلينا، أي مع بقية الأركان، وأمر سريرته إلى الله، (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) أي أدائها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إخراج الصدقة المفروضة في
الأموال التي بلغت النصاب، وإعطاؤها لمن يستحقها (وَصَوْمِ
رَمَضَانَ) أي الإمساك عن الأكل
والشرب والجماع في شهر رمضان، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (وَحَجِّ الْبَيْتِ) أي البيت الحرام بمكة، أي قصده لأداء المناسك المعروفة.
شُعَبُ الإيمان:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ:
الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ
شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ". [أخرجه
الشيخان] واللفظ لمسلم.
(الْإِيمَانُ) هو في اللغة التصديق، وفي الشرع: التصديق بكل ما أخبر به الرسول من أخبار
الغيب، وقد فسره السلف الصالح بأنه اعتقاد بالقلب، وهو التصديق، ونطق باللسان، أي
النطق بالشهادتين، وعمل بالجوارح، أي أداء الفرائض وترك المحرمات. وذكروا أنه يزيد
وينقص بأدلة كثيرة، (بِضْعٌ وَسَبْعُونَ
شُعْبَةً) أي خَصلة، والبضع
عدد مبهم ما بين الواحد إلى التسعة، وفي رواية الترمذي: "بابا"، وفي
رواية البخاري: "بِضْعٌ وَسِتُّونَ"، وزاد مسلم في رواية: " أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ "، أي إزالته ما يؤذي الناس عن طريقهم، وهذه أدنَى الشعب، (وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ) الحياء انقباض النفس عن الشيء،
وهو خُلق يبعث على فعل الخير واجتناب الشر والتقصير في حقوق الناس، وخصه بالذكر
لكونه باعثا على العمل ببقية الشعب، فالحيِيُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر
وينْزجر صيانةً لعرضه ودينه.
كف الأذى من الإيمان:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: "
الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ
هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ". [أخرجه البخاري].
(الْمُسْلِمُ) أي الكامل (مَنْ سَلِمَ
الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)، أي مع أداء الأركان، أو علامة المسلم التي يستدل بِها على إسلامه، سلامة
المسلمين من أذاه بلسانه ويده، والمسلمون هنا لا مفهوم له، إذ لا يجوز له أن يؤذي
غير المسلمين، وإنما ذكر المسلمين، لأنه في الغالب يعيش بين المسلمين، ولأن أذيةَ
المسلم أشد من أذية غيره (وَالْمُهَاجِرُ) أي الحق أو الكامل (مَنْ هَجَرَ
مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) أي من ترك المعاصي، فليست فضيلة الهجرة لِمن هاجر من مكة إلى المدينة
فحسبُ، وإنما هي حاصلة لكل من هجر المعاصي، وأيضا، ليست الهجرة لمن هاجر من مكة
إلى المدينة وأقام على المعاصي، وإنما الهجرة لمن ترك السيئات، والله المستعان.
وعَنْ أَبِي مُوسَى
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ". [أخرجه الشيخان].
يعني أي خصال الإسلام
أفضل؟ وفي رواية عند مسلم والترمذي: " أَيُّ
الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ ". فدل الحديث على أن أفضل خصال الإسلام بعد أداء حقوق الله أن يكف
المسلم أذاه عن المسلمين بلسانه ويده.
حب الخير للمسلمين من الإيمان:
عَنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ". [أخرجه الشيخان].
أي لا يبلغ حقيقة
الإيمان، أو لا يكمل إيمانه، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. و ليس المراد أن يعطيه
مثل ما عنده، لأن المحبة إنما تستلزم المواساة، ولا تستلزم المساواة.
حب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الإيمان:
عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: " لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ
إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ". [أخرجه الشيخان].
أي لا يبلغ حقيقة
الإيمان حتى أكون أحب إليه من أحبته. ويدخل في هذه المحبة محبة سنته ومحبة أنصاره،
والشوق إلى رؤيته. وما من مؤمن إلا ويجد في قلبه شيئا من هذه المحبة، لكن لا يكمل
إيمانه إلا إذا كانت هذه المحبة مقدمة على المحاب، لكن ذلك سرعان ما يزول بتوالي الغفلات.
وعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ
حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ ". [أخرجه البخاري].
معنى قوله " وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ " أقسم بمن نفسي
وروحي بيده، وهو الله الذي يحيي الأنفس ويتوفاها، وفائدة الإقسام به، أن المقسم
بذلك كأنه يقول: إذا كذبت فهو قادر على إهلاكي ولا يمهلني ساعة.
حلاوة الإيمان:
عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ
كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ
يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ
الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي
الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ
فِي النَّارِ ". [أخرجه الشيخان].
فيه استعارة بالكناية،
حيث شبه الإيمان بشيء حلو، وأشير إليه بشيء من لوازمه وهو الحلاوة، وذلك بأن يتحمل
المشاق في الدين، ويرابط على الذكر والطاعات، فيجد حلاوة ذلك، فيقدم مراد الله
ورسوله على مراد نفسه، وإذا أحب عبدا أحبه لدينه وإيمانه، ولو خُيِّر بين الدخول
في نار الدنيا وبين الرجوع إلى الكفر لا ختار أن يدخل نار الدنيا، لأن الكفر سيؤدي
به إلى نار أعظم منها وأفظع.
حب الأنصار من الإيمان:
عن أَنَسٍ عَنْ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قَالَ: " آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ
النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ ". [أخرجه الشيخان].
أي أن علامة الإيمان
حب أنصار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، وهم الأوس والخزرج، فمن أحبهم
فبمحبته لي أحبهم، ومن أبغضهم فلبغضه لي أبغضهم، فكان حبهم علامة على الإيمان،
وبغضهم علامة على النفاق. وليس ذلك مقصورا على الأوس والخزرج، ولكن كل من يدعو إلى
دينه وينصر سنته وشريعته في كل زمان ومكان.
العزم على الناس فيما يطيقون من الأعمال:
عَنْ عَائِشَةَ
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إِذَا أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا إِنَّا
لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ
فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: " إِنَّ
أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا ". [أخرجه البخاري].
يعني أنَّه كان يأمرهم
أن يأتوا بما يطيقون، كقوله: "عليكم بما تطيقون"، فيردُّون عليه بأنَّهم
يحتاجون إلى كثير من العمل، على خلافه هو لأن الله قد غفر له، فيغضب عليهم ويقول:
أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له، ومغفرته لي لا تستلزم أن أترك العمل، بل تستلزم مني
الزيادة في العمل شكرا للنعمة، كقوله: "أفلا أكون عبدا شكورا"، فاكلَفوا
من العمل ما تطيقون.
خروج عصاة المؤمنين من النار بالشفاعة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " إِذَا
دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ
اللَّهُ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ
فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ قَدُ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ
فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ
السَّيْلِ ". امتحشوا: أي احترقوا، وفي رواية: "اسودوا"، والحُمم جمع حمُة، وهي الفحم، والحِبة: بزور النبات، والحميل ما يحمله السيل، وفي رواية: في جانب السيل. وفي رواية لمسلم: " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا
فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ
أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ، فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا
كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ
فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ
أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ ". ضبائر: أي جماعات.
الحياء من الإيمان:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ
الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ ". [أخرجه الشيخان].
وفي رواية للبخاري:
" وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي
حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ "، فكأنَّ حياءَه يمنعه من
استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: دعه، أي على هذا الخلق الفاضل،
فإنه من الإيمان، والحياء قد يكون من جبن، أو من عفة، ولا شك أن الثانِيَ أفضل من
الأول، فلذلك قلما يكون الشجاع مستحيا؛ وأما كونه من الإيمان فلأنه يمنع صاحبه من
المعاصي، فهو دائما يسعى في صيانة عرضه ودينه، ويستحيي من الله وهو يتقلب في نعمه
أن يراه متلبسا بمعصيته.
قتال الناس لإقامة أركان الدين:
عَنْ ابْنِ عُمَرَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " أُمِرْتُ
أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ،
إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ". وفي رواية مسلم: إِلاَّ بِحَقِّهَا.
والمراد حتى ينطقوا بالشهادة، وإقامة الصلاة المداومة على الإتيان بِها، عصموا
أي منعوا، وحسابِهم
على الله أي في أمر سرائرهم. والمراد إعلاء كلمة الله
وإذعان المخالفين، وإلا فلا إكراه في الدين، ولذا فرضت الجزية على أهل الكتاب؛
وقوله أمرت: أي أمرني ربي، قال تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ
الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
فضل الإيمان والحج والجهاد:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ. [أخرجه الشيخان].
المبرور: أي المقبول، وفي رواية للترمذي وأحمد: الجهاد سَنام العمل، إسنادها حسن.
وفي رواية للإمام أحمد: " أَفْضَلُ
الأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ إِيمَانٌ لا شَكَّ فِيهِ، وَغَزْوٌ لا غُلُولَ فِيهِ،
وَحَجٌّ مَبْرُورٌ ". ففي الحديث
دليل على أن الإيمان عمل، وهو من أعمال القلب، وأنه أفضل الأعمال، وفي حديث الشعب:
أعلاها لا إله إلا الله.
إطعام الطعام وإفشاء السلام:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ:
" تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ
عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ". [أخرجه الشيخان].
تطعم: أي أن تطعمَ، بتقدير أن، وقد ورد هذا السؤال متكررا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويكون جوابه مختلفا، والجواب عن
ذلك الحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، ولكل مقام مقال، والله أعلم. وتقرأ: أي من القراءة، تقول: اقرأ عليه السلام، أو أقرئه السلام، وفي حديث عائشة
عند البخاري: " جبريل يقرئك السلام " وفي رواية مسلم: يقرأ عليك السلام،
قال أبو حاتم السجستاني: لا تقول أقرئه السلام، إلا إذا كان مكتوبا، أي اجعله يقرؤُه.
ومن لم تعرف: تعظيما لشعار الإسلام ومراعاة لأخوة المسلم، ولا تخُصَّ به من تعرف دون
من تعرف تكبرا أو تكلفا.
علامات المنافق:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قَالَ: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ،
وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ". [أخرجه الشيخان].
وفي رواية لمسلم:
" مِنْ عَلاَمَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلاَثَةٌ "، وهذا دليل على أن ليس
المقصود الحصر في الثلاث، وزاد في رواية له أيضا: " وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ".
والمراد أن من اتصف
بِهذه الخصال فهو شبيه بالمنافقين، وإن صلى وصام، ولكن ذلك لا يخرجه من الملة، كما
سمي تارك الصلاة كافرا، والمراد الكفر العملي؛ ويحتمل أن يكون المراد أن من كانت
هذه الخصال ديدنه، فهو دائما يكذب ودائما يخلف ودائما يخون، ويؤيده التعبير بإذا،
أي كلما حدث كذب...إلخ، ويؤيده وصفه في الحديث الآخر بالمنافق الخالص، والله أعلم.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا،
وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ
حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا
عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ". [أخرجه الشيخان].
الفجور الميل عن الحق
والاحتيال في رده، وفي رواية للبخاري: " إِذَا
اؤْتُمِنَ خَانَ " بدل وإذا وعد
أخلف، وهي الموافقة لما في رواية أبي هريرة، وهذه كلها علامات على النفاق، وليس
المقصود حصرُها في هذه الأربع، وإنما من جمع هذه الأربع، بحيث تصير عادته وديدنه
فهو منافق خالص، وليس المراد نفاق الكفر، لأنه لا يكون كافرا إلا إذا كان أضمر
الكفر، وقد يقال: إن من اتصف بِهذه الصفات في الغالب لا يكون إلا كافرا، والله
أعلم.
الاقتصاد في الطاعة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قَالَ: " إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ
إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا
بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ ". وزاد في رواية: " وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا ". [أخرجه البخاري]. والأصل متفق عليه، ولكن انفرد البخاري بِهذا السياق.
الدين يسر: أي ذو يسر، أو وصفه بالمصدر مبالغة، والمُشادَّة: المغالبة، فمن ترك الرفق عجز
وانقطع، سددوا: أي الزموا السداد والصواب ولا تجانبوه، وقاربوا: أي إن لم تستطيعوا الإتيان
بالأكمل فأتوا بما يقرب منه، وأبشروا: أي بشروا أنفسكم بالثواب على
العمل، والغدوة: أول النهار، والروحة: العشي، والدلجة: سير آخر الليل، أي استعينوا على العبادة بإيقاعها في الأوقات التي تنشطون
فيها. والقصد: الأخذ بالأمر الأرفق والأسط، وهو منصوب على الإغراء.
المجازاة عن الحسنات والسيئات:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ،
فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ
مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا ". [أخرجه الشيخان].
حسن إسلامه: أي كان حسنا، ظاهرا وباطنا، بعشر أمثالها: أي لكل مؤمن، إلى سبعمائة ضعف: أي لمن يشاء حسب اختلاف العاملين وأحوال العمل، وكل سيئة: تكتب له بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنها، كما في حديث أبي سعيد الذي
أخرجه النسائي، وعلقه البخاري، وفي حديث أبي سعيد أن الله يكفر عنه السيئات
الماضية، ويكتب له ما مضى الحسنات. وفي هذا الحديث عظم فضل الله على عباده، ولا
يهلك مع هذا الفضل إلا من ظلم نفسه وسفِهها ودساها.
خروج عصاة المؤمنين من النار:
عَنْ أَنَسٍ عَنْ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قَالَ: " يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ
اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ؛ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ
مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ؛
وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ
وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ ". [أخرجه الشيخان].
الشعيرة: حبة الشعير، والبرة: حبة القمح، والذرة: الهباء الذي ظهر في شعاع الشمس، أو النملة الصغيرة. والمراد بالخير في
الحديث: الإيمان، كما جاء في رواية معلقة عند البخاري، أو المراد بالخير حب الدين
وأهله. فهذا مؤمن، وإن أدخلته كبائر ذنوبه النار، فإنه سيخرج منها بإيمانه.
من أتى بالفرائض دخل الجنة:
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ؟
فَقَالَ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلاّ أَنْ
تَطَّوَّعَ شَيْئًا، فَقَالَ:
أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ
اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم شَرَائِعَ الإِسْلامِ، قَالَ:
وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ
اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ". [أخرجه الشيخان].
وفي رواية مسلم من هذا
الوجه، وكذا لأبي داود: " أفلح
وأبيه إن صدق "، وقد نَهى
النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم عن الحلف بالآباء، وهي محمولة على
أنّها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بِها الحلف، كما جرى في غيره من الكلمات.
حديث جبريل:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ
وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا
الإِسْلامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ
شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ
الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا
الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لمْ
تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى
السَّاعَةُ؟ قَالَ مَا الْمَسْؤُولُ
عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا،
إِذَا وَلَدَتْ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُءُوسَ
النَّاسِ، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لا
يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ،
وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا،
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)،
ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ،
فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هَذَا
جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ. [أخرجه الشيخان].
وقع عند مسلم من رواية
عمر: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ
شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا
يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم...إلخ. (بارزا يوما للناس) في رواية النسائي عن أبي هريرة وأبي ذر: أنَّهم بنوا له دُكَّانًا مِنْ
طِينٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، ليعرفه الرجل الغريب إذا أتاه، وفيه أنه سلم عليه،
وقال له: أأدنو يا محمد؟ فقال له: اُدنُهْ، فدنا، فوضع يديه على ركبتيه، وكذا في
رواية مسلم من حديث عمر: فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وفيهما أنه
كان يسأله فيجيب، فيقول له: صدقت، فعجب الصحابة: وقالوا: انظر كيف يسأله وكيف
يصدقه، أي كأنه أعلم منه. وفيها: الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ
إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ
وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ
إِلَيْهِ سَبِيلا؛ والإيمان: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. والمراد بالقدر:
علم الله بمقادير الأشياء وأزمانِها قبل إيجادها، فكل شيء سبق في علمه، قال
الشافعي: من لم يصدق بالقدر خُصِمَ بالعلم، لأنه إذا أنكر العلمَ لزمه نسبة الجهل،
تعالى الله عن ذلك، (الإحسان) وقع في رواية مسلم من حديث أبي
هريرة: "أن تخشى الله كأنك تراه"، والإحسان هو جعل الشيء
حسنا، والمراد به هنا إحسان خاص، وهو إحسان العبادة، بأن يعبد الله كأنه يراه. (أن تلد الأمة ربَّها) أي سيدها، معناه والله أعلم، انعكاس الأمور بحيث يصير المربَّى مربيا
والسافل عاليا، (رعاء البَهم) صغار أولاد الغنم، وفي رواية البخاري: "رعاة الإبل البُهم": أي
السود. (في خمس) أي أن علم الساعة من الخمس التي لا يعلمهن إلا الله، كما هي مذكورة في
آخر سورة لقمان، فالحديث فسر الآية، خلافا لمن فسرها حسب ما يهواه.
وفي رواية النسائي: أنه
سأله عن الساعة نكَّس رأسه فلم يجبه شيئا، ثم أعاد فلم يجبه شيئا، ثم أعاد فلم
يجبه شيئا، ثم رفع رأسه فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وفيها: لما انطلق
الرجل: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: وَالَّذِي
بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ
وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ. وفي مسند أحمد من حديث أبي عامر الأشعري: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا جَاءَنِي قَطُّ
إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرَّةُ.
الأعمال بالنية والحِسْبة:
عن عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقُولُ: " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ
مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا،
أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ". [أخرجه الشيخان].
والمعنى: أن الأعمال
تعتبر بالنية، وبما قُصد منها، وليس لعامل من عمله إلا ما نواه وقصده، وليس له
غيره، فمن عملا عملا أراد به ثناء الناس، فليس له أجر، لأنه لم يقصد بعمله وجه
الله. وقد روى الطبراني في الكبير بإسناد صحيح على شرط الشيخين من حديث ابن مسعود،
قال: من هاجر يبتغي شيئا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس، فكان يقال له مهاجر أم قيس؛ وفي رواية: أنه خَطَبَها فأبت أن تتزوجه حتى
يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم
قيس، وقد قيل إن هذا الحديث سيق بسبب
هذه القصة، والله أعلم.
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
الأَنْصَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: " إِذَا
أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ
صَدَقَةً ". [أخرجه الشيخان].
يعني أن يقصد بِها
التقرب إلى الله، ويحتسب أجرها على الله، والمراد بالأهل الزوجة والأولاد، ومعلوم
أن النفقة على الأهل واجبة، ومع ذلك فهو يؤجر عليها إذا قصد بٍها القربة، وكذا
يؤجر المسلم على الأعمال المباحة إذا قصد بِها القربة، كمن يأكل بقصد التقوي على
العبادة.
أركان الدين الخمس:
عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا
أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ
وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا
مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ
أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: صَدَقَ؛ قَالَ: فَمَنْ
خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: اللَّهُ؛
قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: اللَّهُ؛ قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا
جَعَلَ؟ قَالَ: اللَّهُ؛
قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ
الأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ
فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا؟ قَالَ: صَدَقَ؛ قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: وَزَعَمَ
رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: صَدَقَ؛ قَالَ:
فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ
رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا؟ قَالَ: صَدَقَ قَالَ فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: وَزَعَمَ
رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً؟ قَالَ: صَدَقَ. ثُمَّ وَلَّى، فَقَالَ:
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ،
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: لَئِنْ
صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ. [أخرجه الشيخان]. وهذا السياق لمسلم.
وفي رواية البخاري من
حديث أنس: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ
عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، وفي معرفة الصحابة لأبي
نعيم: "
أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ
حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ عَقَلَهُ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ
"؛ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ،
فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ:
ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قَدْ
أَجَبْتُكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ
لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: إِنِّي
سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ؛ فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ
قَبْلَكَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ ثم سأله عن الصلاة والصيام
والزكاة، وفيه: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ
أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى
فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ:
آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا
ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق